ابن قيم الجوزية

149

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

قدير ) واعتراض القدرية على الاستدلال بذلك ، والجواب عنه نظير الاعتراض على قوله : ( اللّه خالق كل شيء ) وجوابه ، ونزيده تقريرا أنّ أفعالهم أشياء ممكنة ، واللّه قادر على كلّ ممكن ، فهو الذي جعلهم فاعلين بقدرته ومشيئته ؛ ولو شاء لحال بينهم وبين الفعل ، مع سلامة آلة الفعل منهم كما قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 253 ) [ البقرة ] وقال : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ( 112 ) [ الأنعام ] وقال : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ( 99 ) [ يونس ] . فهو سبحانه يحول بين المرء وقلبه وبين الإنسان ونطقه ، وبين اليد وبطشها ، وبين الرّجل ومشيها ، فكيف يظنّ به ظنّ السوء ، ويجعل له مثل السوء ، أنه لا يقدر على ما يقدر عليه عباده ، ولا تدخل أفعالهم تحت قدرته ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون والجاحدون لقدرته علوا كبيرا . نعم ولا نظنّ به ظنّ السوء ، ونجعل له مثل السوء أنه يعاقب عباده على ما لم يفعلوه ، ولا قدرة لهم على فعله ، بل على ما فعله هو دونهم واضطرهم إليه وجبرهم عليه ، وذلك بمنزلة عقوبة الزّمن إذا لم يطر إلى السماء ، وعقوبة أشلّ اليد على ترك الكتابة ، وعقوبة الأخرس على ترك الكلام ، فتعالى اللّه عن هذين المذهبين الباطلين المنحرفين عن سواء السبيل . فصل ومن الدليل على خلق أعمال العباد قوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ